محمد أبو زهرة

1622

زهرة التفاسير

ثم بين سبحانه وتعالى أنه لا يصح للرجل أن يسترسل في كراهيته إن عرضت له أسباب الكراهية ، بل يتعرف المحاسن ، ولا يقتصر على النظر إلى المساوئ ، ولذا قال تعالى : فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً . إن العشرة الحسنة مطلوبة ولو في حال كراهية الزوج لزوجته ، فإنه لو أظهر الكره لكانت المباغضة ، ولاسترسل في غواية تضله ، فيصر على الكراهية ، وقد كان في الإمكان أن يرى فيها المسرة بدل المضرة ، وأسباب المحبة بدل البغض . وإن النص الكريم يشير إلى معنى سليم ، ويدعو إلى إدراك معان مختلفة كثيرة : أولها - أن ينظر إلى الحياة الزوجية من جميع نواحيها ، لا من ناحية واحدة منها ، وهي البغض والحب ، فينظر إلى مصلحة أولاده ، وإلى نظام بيته ، وإلى محاسنها بدل أن ينظر إلى مساويها . وثانيها - أن يفكر في من يعقبها : أهي خير منها أم لا ؟ وثالثها - أن ينظر في شأن العلاقة بعين العقل والمصلحة المشتركة لا بعين الهوى المسيطر الجامع . ورابعها - وهو أعظمها أن ينظر إلى المسألة بالقلب الديني ، وأن يتذكر في وقت الكراهية العشرة الحلوة السابقة ، ولذا قال الله سبحانه وتعالى : فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ، والخير الكثير يتكشف للرجل في الأمر المكروه بإحدى حالين : إما بالنظر الثاقب الذي يتغلب فيه العقل على الهوى ، وإما بعد فوات الوقت ، فيعرف الخير الذي فاته بفعله ، فلا يمكن التدارك ، ويكون الندم المرير ، ولات حين مندم . وإن هذا النص يشير إلى معنى جليل عام لا يخص الحياة الزوجية وحدها ، وهو ألا يبت في الأمور تحت تأثير الكراهة ، فإنها عارض وجداني قد يزول ، وقد يكون في المكروه الخير الكثير الذي غاب عنه في وقت إدراكه ، فيفوته النفع العظيم تحت تأثير الكراهية التي قد يبعث عليها أمر حسى عارض . وفي الحديث الصحيح . « لا يفرك مؤمن مؤمنة ، إن سخط منها خلقا رضى منها آخر » « 1 » والفرك

--> ( 1 ) رواه مسلم : الرضاع - الوصية بالنساء ( 1469 ) ، وأحمد : باقي مسند المكثرين ( 8163 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه .